الأشياء تتداعى من نيجيريا إلى مصر
بقلم/ ميادة مدحت
mmedhat24@hotmail.com
من قال أن القضايا تموت؟ القضايا تظل حية بداخل الأجيال وقضية الهوية هى واحدة من أهم القضايا. كيف نفخر بما نحن عليه ثم تأتى القضية الأكثر صعوبة ألا وهى كيف يحترمنا الآخر دون أن نضطر للتنازل عن ثوابتنا وعقائدنا؟
ولعل العلاقة بين الشرق والغرب هى المحك الرئيسى للإجابة عن الأسئلة السالف طرحها. وقد عنى الكثيرون بتحليل هذه العلاقة ، فمن الغرب ظهر العديد من المستشرقين لعل أكثرهم إنصافا للشرق كان روجيه جارودى الذى اعتنق الإسلام وعانى الكثير فيما عرف بمعركة الهولوكوست وهل هو وهم أم حقيقة تاريخية.
أما الشرق فقد أنجب الكثيرين من الأدباء الذين حملوا على عاتقهم رسالة الدفاع عن الشرق.. فهناك من تبنى نظرية الشرق الفنان مثل زكى نجيب محمود وهى النظرية القائلة بتفوق الغرب فى العلم وتفوق الشرق فى الفن وفى الإحساس. ومن هؤلاء الفرسان من كرس أدبه للرد على إجحاف الغرب مع الشرق وكيف ينظر إلى الشرقيين ككائنات أدنى فى المرتبة inferior وكان أول هذا الفريق هو د/ إدوارد سعيد الذى قدم لنا كنز معرفى حقيقى فى كتابه الرائع Orientalism أو الاستشراق والذى – من وجهة نظرى- عرف الشرق إلى نفسه حيث جعلنا نكتشف أن الغرب يعرف الشرق ليس فقط على انه البلاد العربية ولكن أيضا يمتد هذا المفهوم ليشمل الصين والهند وإيران بل إن هناك نظرية متطرفة لدى بعض السياسيين الأمريكان تقول بان العالم منقسم إلى The West and the Rest والغرب فى نظر هؤلاء منحصر فى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية أي أن الشرق طبقا لهذه النظرية يمتد ليشمل دول أوروبا الشرقية و أمريكا الجنوبية والشرق الأقصى بالإضافة إلى أفريقيا والدول العربية.
و من فرسان الشرق الكاتب النيجيرى شينوا اتشيبى أهم ما فعله انه كان يخاطب الغرب بلغته الإنجليزية مما جعل لأدبه بالغ الأثر فى الدفاع عن الشرق وبالتحديد إفريقيا تلك القارة المظلومة والتى أخذ الآلاف من أبنائها عبيدا لدى الغربيين. ولعل أهم أعمال هذا الكاتب رواية THINGS FALL APART تلك الرواية التى أبهرت العالم وقدمت إفريقيا فى ثوبها الحقيقى بلا تجميل ولا تشويه ولم يقع اتشيبى فى أخطاء التحيز للشرق ولكنه قدم إفريقيا فى هذه الرواية بكل أمانة .. ما لها وما عليها ولم لا وهو أتشيبى النيجيرى المستنير الذى يدرس الأدب الإفريقي فى جامعات أمريكا.
ونأتى إلى عنوان البحث: ما علاقة نيجيريا بمصر؟ اعتقد أن كل من يقرأ رواية "الأشياء تتداعى" سيدرك على الفور العلاقة بين نيجيريا فى الرواية وبين مصر الآن. فأحداث هذه الرواية تدور فى وقت كانت نيجيريا تستقبل بذهول ودهشة موجات غزو الرجل الأبيض فكريا من خلال الاختراعات الحديثة ودينيا من خلال التبشير ثم الغزو الأكثر قسوة بالجيوش ثم الاحتلال. كانت نيجيريا الجميلة القوية ظاهريا تعانى من الضعف بداخلها وهو ما سهل سقوطها فريسة فى يد المتربصين بها من الغرب.
ودعونى أبدأ بسرد مختصر لحبكة الرواية ثم أعرض بالنقد لبعض عناصر هذا العمل الأدبى الرائع ثم أختم بعرض العلاقة بين نيجيريا فى "الأشياء تتداعى" وبين مصر فى أوائل القرن الحادى والعشرين.
حبكة الأشياء تتداعى :
الرواية تدور فى خمسة وعشرين فصلا
الفصل الأول: يبدأ اتشيبى الفصل الأول من الرواية بوصف دقيق لبطله " أكونكو" النيجيرى القوى الذى هزم أمالينز القط الرجل الأقوى فى القرى التسع بينما كان فى الثامنة عشر من عمره فقط واكونكو رجل عصامى يلقى الاحترام الوافر فى قريته وقد كان مدفوعا فى حياته بشيئين: كره والده وكرهه للفشل. كما يصف اتشيبي والد اكونكو " يونوكا" وقد كان كسولا ينفق كل ما يحصل عليه من أموال ولا يخطط للمستقبل كما كان دائم الاستدانة وكان دائما بائس الهيئة إلا عندما كان يسكر أو يعزف على الناى. كانت أسعد لحظاته موسم الحصاد حيث يكون المال وفيرا مما يمكنه من الاستدانة. كانت القرى الأخرى تطلب أحيانا فرقة يونوكا الراقصة لإحياء بعض المناسبات. كان يونوكا يكره الحرب ولا يحتمل مشهد الدماء
وقد رحل مثقلا بالديون بدون أن يتمكن من الحصول على لقب واحد. ولذا ليس غريبا على اكونكو أن يخجل من والده. كان اكونكو الصغير نسبيا ينطبق عليه الحكمة النيجيرية " إذا غسل الطفل يديه يستطيع أن يأكل مع الملوك".
الفصل الثانى:
يسمع اكونكو وهو فى كوخه المنادى يدعو إلى اجتماع فى السوق باكر الغد مما دفع اكونكو للتساؤل بينه وبين نفسه ترى ما الخطب؟ كانت ليلة هادئة كما كل الليالى باستثناء تلك الليالى التى كان القمر يكتمل بدرا فيها. كان الظلام مخيفا فى نيجيريا حتى لأكثر الرجال شجاعة. كان الأطفال ممنوعون من التجول فى تلك الليالى خوفا من الأرواح الشريرة. لم تكن الحيوانات المتوحشة تدعى بأسمائها فى الظلام خوفا من أن تسمع فالثعبان مثلا كان يطلق عليه اسم الحبل. وعلى العكس تماما كانت الليالى المقمرة التى كان يعمها الفرح والسرور
فى تلك الليلة المظلمة كان اكونكو فى خيمته يحاول تخيل الحرب المنتظرة فهو يعلم أن الاجتماع فى السوق يكون إشارة لحرب منتظرة وقد كان اكونكو رجل حرب يعشق الصراعات والدماء ويستمد منها مجده الشخصى حتى أنه يحتفظ بأول رأس بشرية اقتلعها ليشرب فيها النبيذ فى الاحتفالات.
فى الصباح تجمع فى السوق ما لا يقل عن عشرة آلاف من الرجال فى السوق الكل يتحدث بصوت منخفض كان سبب التجمع أن شخص من قبيلة أخرى قتل سيدة من قرية يوموفيا وتم تشكيل وفد للذهاب إلى القرية المعادية لتخييرهم بين الحرب أو أن يعوضوا يوموفيا بشاب صغير وفتاة عذراء مقابل المرأة التى قتلوها. يوموفيا كانت مهابة من جميع القرى حيث كانت قوية فى الحرب وفى السحر. وبعد يومين عاد اكونكو إلى قريته ومعه فتى فى الخامسة عشرة وعذراء صغيرة الولد الصغير كان اسمه اكيميفونا ومازالت قصته الحزينة تروى إلى الآن فى يوموفيا وذهبت العذراء إلى زوج السيدة المقتولة تعويضا له عنها. أما الفتى فكان أمره يرجع إلى القبيلة كلها لذا رأى كبار القبيلة انه لا داع للعجلة فى البت فى أمره. وعهدت القبيلة إلى اكونكو برعاية الفتى فى منزله إلى أن يتم البت فى أمره وهو ما حدث لمدة ثلاث سنوات عاشها اكيميفونا فى منزل اكونكو الذى كان يحكمه بقبضة من حديد. كانت زوجاته وبالذات الأصغر سنا وأطفاله يعيشون فى رعب دائم من غضبه ومزاجه الحاد.
فى داخله لم يكن اكونكو قاسيا لكنه عاش حياة قاسية محكومة بالرعب من الفشل والضعف. لقد كان خوفه منهما يفوق خوفه من الأرواح الشريرة. لقد كان يخاف من نفسه ويخاف أن يصير يوما مثل والده. كانوا ينعتون والده " اجبالا" أي امرأة. فى شهور الزرع كان اكونكو يعمل فى حقله بنشاط ويعطى الفصل الثانى لمحة عن ابن اكونكو الأكبر " نيوى" الذى صار فتى فى الثانية عشرة من عمره وكان صورة مصغرة من جده فى الكسل .. ويصف هذا الفصل ثراء اكونكو حتى أن له ثلاث زوجات و8 أطفال يعيشون فى رخاء ومعهم.
الفصل الثالث:
العودة إلى جذور اكونكو فى والده يونوكا ذو الحظ العاثر لقد كان إلهه نحس عليه حتى عندما كان يجتهد فى زراعة حقله كان محصوله دائما أقل محصول فى القرية، وعندما حان أجل يونوكا ذو الحظ العاثر حمله أهل القرية خارج منزله وترك ليموت وحده فى الغابة حيث كانت تقاليد القرية تنص على ألا يموت الضعفاء والجبناء داخلها حتى لا تطارد أرواحهم سكانها بعد الموت. يصور هذا الفصل احتفال اكونكو مع القبيلة بالتعويض الذى حصلوا عليه والمتمثل فى الفتاة والشاب الصفير اللذان حصلوا عليهما من القرية المعادية. ويتضح لنا أن اكونكو رجل شديد التمسك بالتقاليد الاجتماعية والطقوس الدينية لقبيلته. يتذكر اكونكو أحد مواسم الحصاد فى شبابه والذى كان فصل شديد القسوة بدا فيه أن العالم قد جن وقال وقتها بعد أن مر ذلك الفصل بسلام " ما دمت قد تجاوزت هذا الحصاد فسأتجاوز أي شئ مهما يكن"
الفصل الرابع:
كان اكيميفونا خائفا فى بداية عهده بأكونكو وقبيلته وحاول الهرب مرة أو اكثر وكان يبكى بحرارة كلما تذكر والدته وأخته التى تكبره بثلاث سنوات. ومع الوقت اعتاد اكيميفونا الحياة فى يوموفيا وبدا يقول لاكونكو يا أبى وقد أحبه أكونكو وكأنه ابنه وإن كان لم يصرح بذلك فقد كان اكونكو رجل أفعال لا أقوال وكان لا يبوح بمشاعره أبدا إلا فى الغضب كان هذا هو الشعور الوحيد الذى لا يداريه . لقد كان اكيميفونا طيب وقوى ونشيط وذكى وكان يشبه اكونكو فى شخصيته. فى هذا الفصل يصور لنا اتشيبى تفاصيل عن الحياة فى نيجيريا حيث يأتى الاحتفال بما يسمى أسبوع السلام حيث يخرق اكونكو الهدوء ويعاقب على ذلك لان اصغر زوجاته سنا غادرت الكوخ اثناء نومه لتضفر شعرها عند جارتها ولم تعد الطعام فانتظرها حتى عادت ثم قام بضربها ضربا مبرحا فحكم عليه كبار القبيلة ان يدفع جزء من ثروته تكفيرا لذنبه وقد امتثل أكونكو لأمرهم. بعد انتهاء اسبوع السلام بدأ موسم بذر المحاصيل وبدأ أكونكو يعمل باجتهاد فى حقله وكان نيوى و اكيميفونا يساعدانه وكان اكونكو دائما غير راض عن عنهما وبالأخص نيوى وكان اكونكو يريد أن يصبح ابنه مزارع كبير ورجل عظيم مثله إلا أن لعنة الجد قد أصابت الحفيد. فى تلك الفترة زاد تعلق نيوى باكيميفونا وصارا لا يفترقان.
الفصل الخامس:
يصور هذا الفصل عيد الحصاد وهو عيد لشكر إلهة الأرض والخصوبة وهذه الإلهة فى معتقدات النيجيريين وثيقة الصلة بأرواح الأجداد المدفونين بداخل الأرض. ومع هذا العيد نكتشف شخصية اكونكو أكثر حيث نعرف أنه لا يستمتع بالاحتفالات وأن العمل فى حقله اكثر إمتاعا له من أي عيد. ونرى أكونكو يخرج فى رحلة صيد ولكن ببندقية قديمة للغاية " سلاح عفى عليه الزمن" وبالرغم من أن اكونكو رجل عظيم إلا أنه لم يكن يجيد الصيد على الإطلاق مما دفع إحدى زوجاته للسخرية منه ومن الأسلحة التى لا تطلق رصاصة أبدا.. فى هذا الفصل يتناول أتشيبى علاقة اكونكو بابنته إيزينما ونرى أنها نقطة ضعفه فهى جميلة وذكية ويمكننى أن أشبهها بالصخرة الناعمة التى تتكسر فوقها أمواج قسوة الأب.
الفصل السادس:
يتعمق أتشيبى أكثر فى تقاليد المجتمع النيجيرى ويقص لنا قصة الشجرة التى تحمل بداخلها أرواح الأطفال الطيبين والتى تتبرك بها النساء اللاتي يرغبن فى الإنجاب ويتحلقن حولها طلبا للشفاء.
الفصل السابع:
مرت ثلاث سنوات على إقامة اكيميفونا فى منزل اكونكو وبدا أن الكبار فى يوموفيا قد نسوا أمره . ولقد نما سريعا واندمج كلية فى أسرته الجديدة ولقد أثر اكيميفونا إيجابيا على نيوى مما اسعد اكونكو الذى كان يأخذهما معه إلى الحقل ويحكى لهم قصص عن الحروب والدماء والقتل ليعلمهم معنى الرجولة كما يراه هو.
فى هذا الفصل يأتى الجراد -والذى يرمز هنا لعدوان أوروبا على إفريقيا- صاحب حضور الجراد فرحة أهل يوموفيا لأنهم كانوا يعتبرون الجراد وجبه شهية لا تأتى إلا مرة واحدة ف
المزيد